[ توكل كرمان خلال كلمتها في أكسفورد ]
قالت الناشطة اليمنية الحائزة على جائزة نوبل للسلام إن ثورات الربيع العربي عام 2011 شكّلت محاولة تاريخية لاستعادة الدولة من الاستبداد والفساد والتبعية.
وأكدت في محاضرة ألقتها في جامعة أكسفور البريطانية العريقة إن تلك الثورات لم تكن فعل فوضى أو تدمير، بل كانت ثورات ضد اختزال الدولة في الحاكم وشبكته الضيقة من المصالح.
وأشارت إلى أن ثورات الربيع العربي اصطدمت ببيئة إقليمية ودولية معادية؛ ورأت قوى إقليمية وعالمية تخشى الديمقراطية في أي انتقال ديمقراطي ناجح، وفي قيام دول قوية قائمة على المؤسسات وحكم القانون، تهديدًا وجوديًا لها، فسعت بوعي ومنهجية إلى إفشاله.
وقالت إن دولة الإمارات التي لها فائض هائل من الثروة سعت في مشروع منظم لتفكيك الدول الوطنية، من السودان إلى ليبيا، ومن الصومال إلى اليمن، عبر سياسة تقوم على دعم الميليشيات، وتمزيق النسيج الاجتماعي، وإعادة هندسة الصراعات بما يمنع أي فرصة للاستقرار أو قيام دول مدنية مستقلة.
واعتبرت ذلك ليست سياسات نفوذ تقليدية، بل مشروع هدم للدولة الوطنية الحديثة، لا ينتج أمنًا ولا نظامًا، بل يعيد إنتاج الفوضى كأداة للسيطرة، مشيرة إلى أن التوصيف نفسه ينطبق على نظام الملالي في طهران، الذي يقوم بدوره على تقويض الدول، وتأجيج الصراعات، وتوظيف الهويات الطائفية كسلاح سياسي عابر للحدود. وهاتان القوتان تمثلان معًا خطرًا جسيمًا على الأمن والسلم الإقليمي والدولي.
وعن اليمن أشارت إلى أنه بعد نجاح ثورة 11 فبراير السلمية وإطلاق مرحلة انتقالية واعدة وحوار وطني شامل، تعرّض المسار لهجوم منظم بدعم إيراني لميليشيا الحوثي المتحالفة مع علي عبد الله صالح، ما قاد إلى انقلاب سبتمبر 2014.
وذكرت بأنه مع تمدد الانقلاب، أُطلق التحالف السعودي–الإماراتي عام 2015 تحت شعار استعادة الشرعية، لكن الحرب لم تحقق هذا الهدف، بل جرى العكس تقويض الشرعية ومصادرة القرار الوطني والعمل على تفكيك الدولة.
وقالت كرمان إن الدور الإماراتي برز بشكل خاص عبر استراتيجية قائمة على تفكيك الجغرافيا والنسيج الاجتماعي، وإنشاء وتمويل قوى مسلحة خارج سلطة الحكومة، تحولت إلى بدائل فعلية لمؤسسات الدولة، إلى جانب السيطرة على الجزر والموانئ والسواحل.
موضحة أن هذا النهج لم يواجه الحوثيين كتهديد وجودي، بل أسهم عمليًا في تثبيتهم، عبر إنهاك الشرعية وترك الحوثيين يرسخون سلطتهم في الشمال ويظهرون كمدافعين عن سيادة اليمن.
واعتبرت الوحدة اليمنية ليست شعارًا أيديولوجيًا، بل شرطًا أساسيًا لاستقرار اليمن والسعودية والخليج والمنطقة والعالم، مشيرة إلى أن اليمن المفكَّك ليس خطرًا على المجتمع اليمني وحده، بل تهديد مباشر لأمن البحر الأحمر، وممرّات الطاقة العالمية، وبدونها لن يكون هناك استقرار طويل الأمد، ولا أمنٍ وسِلمٍ إقليمي أو عالمي.
وتطرقت كرمان في كلمتها للوضع في السودان وليبيا والصومال، إذ تستهدف الدول والمشاريع الوطنية، عبر المليشيا الممولة، وتغذي الصراع، وإفشال الثورات الشعبية، معتبرة هذا التوجه يلتقي موضوعيًا مع مشاريع التفتيت الإقليمي، حتى وإن اختلفت الخطابات.
وأضافت: "حين تتقاطع مصالح قوى إقليمية تسعى للنفوذ عبر الميليشيات، مع رؤية إسرائيلية تستفيد من ضعف الدول، ومع نظام دولي متراخٍ في حماية السيادة، يصبح تفكيك الدولة خيارًا ممكنًا، بل مغريًا".
وقالت إن الصومال المقسّم لا يهدد القرن الإفريقي فقط، بل يفتح ثغرة استراتيجية تمتد آثارها إلى الخليج أيضا، وأن السودان المنهار يشكّل اختلالًا مباشرًا في الأمن القومي المصري، ويعيد إنتاج عدم الاستقرار في عمق العالمين العربي والإفريقي، وأن الحفاظ على وحدة الدول وبنائها يظل الإطار الوحيد الممكن لمستقبل تتّسع فيه الحياة، ويسود فيه الأمن والاستقرار.
وعن الواقع الدولي تحدثت كرمان عن وجود تفكك للدول يضرب النظام العالمي نفسه، وقالت إن تراجع الديمقراطية، وتجاوز القانون الدولي، وازدواجية المعايير، وعودة النزعات التوسعية، كلها أسهمت في ترسيخ منطق إدارة العالم بالقوة لا بالقانون.
وأردفت بالقول: "لم يعد تجاهل سيادة الدول الضعيفة استثناءً عابرًا، بل أصبح جزءًا من مشهد عالمي يتآكل فيه الالتزام بالمبادئ التي تأسس عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية".
وأشارت إلى أن ما نواجهه اليوم ليس مجرد خلل في موازين القوى، بل أزمة شرعية أخلاقية عميقة/ فالنظام الدولي، الذي قام نظريًا على القانون والمؤسسات والمسؤولية الجماعية، تحوّل عمليًا إلى منظومة انتقائية تُفعَّل فيها القواعد حين تخدم الأقوياء، وتُعطَّل حين يكون الضحايا شعوبًا ضعيفة، وفق كلمتها.