[ من قصف طال مقرا قرب دبي - وكالات ]
حذّرت تحليلات غربية من أن استهداف منشآت النفط والغاز في الشرق الأوسط دفع الصراع بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى إلى ما يُوصف بـأسوأ سيناريو بالنسبة لدول الخليج، مع تحوّل البنية التحتية للطاقة إلى ساحة مواجهة مباشرة.
ويرى تحليل نشره موقع The Conversation أن استهداف منشآت الطاقة يمثل تصعيدا نوعيا، إذ لم تعد الحرب تقتصر على الأهداف العسكرية، بل باتت تستهدف شريان الاقتصاد لدول الخليج، ما يجعل تداعياتها عالمية وليست إقليمية فقط.
ويعتمد اقتصاد دول الخليج بشكل كبير على صادرات النفط والغاز، ما يجعل هذه المنشآت أهدافًا استراتيجية عالية الحساسية، ويحوّل أي هجوم عليها إلى تهديد مباشر للاستقرار الاقتصادي العالمي.
في السياق ذاته، أفاد تقرير لصحيفة The Guardian أن دول الخليج، رغم تعرضها لهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة، لا تزال تحاول تجنب الانخراط المباشر في الحرب، معتبرة أن الصراع ليس حربها.
وبحسب التقرير، فإن دول مجلس التعاون الخليجي تبنّت موقفا دفاعيا حتى الآن، يركز على حماية أراضيها واعتراض الهجمات، في ظل مخاوف من أن يؤدي أي تصعيد إلى جرّ المنطقة إلى حرب طويلة الأمد.
وقال علي بكر الأستاذ المساعد للشؤون الدولية والأمن والدفاع في جامعة قطر للجارديان إن وجهة نظر دول مجلس التعاون الخليجي كشفت أن هذه الحرب عبرت عن حقيقة مقلقة للغاية، فالأطراف الثلاثة المعنية إسرائيل وإيران وأمريكا أصبحت غير عقلانية ومنفصلة عن الواقع بشكل متزايد، ويسعى كل طرف إلى تحقيق أجندات تهدد بجر المنطقة والعالم إلى مكان مظلم للغاية.
وتشير الجارديان إلى أنه رغم صغر حجمها، تتمتع دول الخليج النفطية بثروة طائلة، وهي مُجهزة بأحدث الأسلحة والطائرات التي اشترتها من الولايات المتحدة. وتمتلك مجتمعةً نحو ألفي طائرة عسكرية من طراز إف-15 وإف-18، بينما تتنافس قوى غربية أخرى على بيعها المزيد من الأسلحة، إلا أن السعودية وحدها، وإلى حد أقل الإمارات، تمتلك خبرة في الحروب الجوية واسعة النطاق.
وتوضح بأنه لا يقتصر الأمر على إضفاء الشرعية على حرب عارضها مجلس التعاون الخليجي بشدة، بل يرى المحللون أن انعدام الثقة بترامب بات متأصلاً في قيادة دول الخليج، وهناك خشية واضحة من أن تستغل الولايات المتحدة رد مجلس التعاون الخليجي على إيران كذريعة للانسحاب وإعلان النصر.
وتقول الجارديان إن دول الخليج لاتزال تشك في أن الولايات المتحدة تعمل كوكيل لإسرائيل، وفي محاولاتها المزعومة للهيمنة على الشرق الأوسط، وقال فواز جرجس، أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد: "أشك كثيراً في أن تنضم أي دولة خليجية عربية إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية، لأنهم جميعاً قالوا مراراً وتكراراً: هذه ليست حربنا. بل إنهم يعتقدون أنها ليست حتى حرب أمريكا".
وتوضح الصجفة إن الواقع الذي يواجه قادة الخليج الآن هو أن النظام الإيراني لا يزال متجذراً، وأن اغتيال الولايات المتحدة وإسرائيل للمرشد الأعلى علي حسيني خامنئي، ورئيس المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، ووزير المخابرات إسماعيل الخطيب، بالإضافة إلى عشرات المسؤولين الآخرين في مجال الدفاع والأمن، لم ينجح حتى الآن في تحقيق الاستسلام.
وقال جرجس "لقد تجاوزت إيران كل الخطوط الحمراء. لكن على دول الخليج العربي أن تفكر في المستقبل، وفي شكل إيران ما بعد الحرب، فإيران المنهكة والغاضبة والمتضررة بشدة قد تُشكل تهديداً حقيقياً لأمن الخليج ومصالحه الاقتصادية في المستقبل المنظور، ولن يؤدي أي هجوم عسكري إلا إلى زيادة استيائهم".
وشكك جرجس في تصريحه للصحيفة في احتمال انضمام دول الخليج إلى دعوة ترامب لإرسال سفن حربية لتأمين مضيق هرمز، الذي يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي لصالح إيران، ويُعرف بصعوبة تأمينه، وقال: "أشك في ذلك بشدة، لأنهم لا يملكون الموارد البحرية اللازمة، وإرسال قوات بحرية إلى مضيق هرمز فخٌّ للانخراط في حرب".
وقال مهند سلوم الأستاذ المساعد في السياسة الدولية والأمن في معهد الدوحة للدراسات العليا، والدبلوماسي القطري السابق إن دول الخليج تدرك أن هذا النظام أصبح الآن خطيراً للغاية، بل ومختلاً - فنحن لا نعرف حتى من يدير البلاد فعلاً، وإنّ قيام الولايات المتحدة بإسقاط النظام الإيراني نهائياً هو الخيار الوحيد المتاح أمامنا الآن. وإلا، ففي كل مرة تتعرض فيها إيران للضغط، تعلم أنها قادرة على ضرب الخليج، وفرض حصار على مضيق هرمز، وهذا سيكون فعالاً. إنه تهديد وجودي لمجلس التعاون الخليجي.
ومع ذلك، وكما أكد جرجس، وجدت دول الخليج نفسها "في وضع مستحيل، بين المطرقة والسندان"، حيث توازن بين الحاجة إلى الدفاع عن سيادتها وحماية أمنها الإقليمي في المستقبل.
وتواجه هذه الدول ضغوطا متزايدة للانتقال من الدفاع إلى الرد العسكري، خاصة مع تكرار الهجمات على منشآت الطاقة، غير أن حسابات المخاطر لا تزال ترجح كفة التريث.
ويحذر محللون من أن أي انخراط مباشر قد يؤدي إلى توسيع رقعة الحرب، ويزيد من تعقيد المشهد الأمني، خصوصًا في ظل تراجع فرص الحلول الدبلوماسية.
ويمثل مضيق هرمز أحد أبرز نقاط التوتر، حيث يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، ما يجعله محورًا رئيسيًا في الصراع الحالي.
وأدى إغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه إلى تفاقم المخاوف من أزمة طاقة عالمية، مع ارتفاع الأسعار وتزايد الضغوط على الأسواق الدولية.
وتكشف الهجمات الأخيرة عن هشاشة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، رغم الاستثمارات الضخمة في أنظمة الدفاع، حيث أظهرت الضربات قدرة على تعطيل منشآت رئيسية في عدة دول خليجية.
ويرى خبراء أن هذا النوع من الهجمات يعكس تحولًا في طبيعة الحروب الحديثة، حيث تُستهدف نقاط الضعف الاقتصادية بدلا من الجبهات التقليدية.
أدى التصعيد إلى اضطراب واسع في أسواق الطاقة، مع ارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية، وتحذيرات من نقص في الإمدادات، خاصة في ظل تعطل منشآت الغاز والنفط في الخليج.
كما أن أي استمرار في استهداف هذه المنشآت قد يؤدي إلى أزمة اقتصادية عالمية، نظرا لاعتماد الأسواق الدولية على استقرار إمدادات الطاقة من المنطقة.
تشير هذه التطورات إلى أن الحرب دخلت مرحلة جديدة تتجاوز المواجهة العسكرية التقليدية، لتصبح صراعًا على البنية التحتية الاقتصادية الحيوية، في وقت تجد فيه دول الخليج نفسها أمام معادلة معقدة: حماية أمنها القومي دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
وفي ظل استمرار الهجمات وتزايد الضغوط، يبقى مستقبل المنطقة مرهونًا بقدرة هذه الدول على الحفاظ على توازن دقيق بين الردع وتجنب التصعيد، في واحدة من أخطر الأزمات التي تواجهها منذ عقود.