[ القاضي المشدلي أثناء زيارة ميدانية لأحد السجون في سقطرى ـ عبدالله بدأهن ]
كشف مسؤول رفيع في اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، عن ممارسات مرعبة وانتهاكات واسعة للحقوق والحريات العامة والخاصة في مختلف المحافظات اليمنية، مشيرا إلى أن إغلاق السجون السرية ومحاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات يعتمد على توفر الإرادة السياسية، مع التأكيد على أن حقوق الضحايا لا تسقط بالتقادم.
وقال القاضي حسين المشدلي، نائب رئيس اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، في حوار مع "الجزيرة نت"، إن اللجنة رصدت أنماطا مقلقة من الانتهاكات، بعضها يعد غير مسبوق في المجتمع اليمني، مثل الإعتداءات الجنسية، وغيرها من الانتهاكات، لافتا إلى أنه "استمع مباشرة إلى شهادات ضحايا داخل زنازين ضيقة، واطلع على آثار التعذيب على أجسادهم، كما وثق محاولات توقيف مواطنين أثناء إدلائهم بشهاداتهم أمام فريق اللجنة"، في الوقت الذي تعرض الفريق للإحتجاز لساعات في جزيرة سقطرى أثناء أداء مهمته.
وتحدث المشدلي، عن تفاصيل صادمة تتعلق باعتداءات جنسية داخل أماكن الاحتجاز، وحالات إخفاء قسري تمتد سنوات، إضافة إلى شهادات لمعتقلين قالوا إن توقيفهم جاء بسبب رفع العلم اليمني، عارضا أرقاما موثقة لحالات الإخفاء القسري، ومتطرقا إلى نمط متكرر من الانتهاكات نُفّذ تحت غطاء “مكافحة الإرهاب”، طال مدنيين وأقارب مشتبه فيهم.
وأكد أن اللجنة تعمل على رصد وتوثيق جميع الانتهاكات في عموم الأراضي اليمنية من مختلف الأطراف، مبينا أن الزيارات الميدانية للمحافظات، ومنها الزيارة الأخيرة لمحافظتي حضرموت وسقطرى، ضمن برنامج العمل الدوري الذي يشمل زيارة السجون وأماكن الاحتجاز والاطلاع على أوضاع حقوق الإنسان، حيث جاءت هذه الزيارة بالتزامن مع متغيرات ميدانية شهدتها المحافظات الشرقية والجنوبية، خاصة مع الإعلان الرئاسي بضرورة إغلاق السجون غير الرسمية، وتكليف اللجنة بمتابعة هذا الملف.
وقال إن الانتهاكات التي تم توثيقها ليست جديدة بالكامل، إذ تشمل في معظمها الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب، لكن ما كان لافتا هو مستوى التعاون الكبير من المواطنين والمجتمع المحلي، حيث بادر العديد من الضحايا وذويهم إلى الإدلاء بشهاداتهم بعد تغير الأوضاع الميدانية، الأمر الذي كشف عن عدد كبير من حالات الاعتقال والانتهاكات التي لم يكن الضحايا يجرؤون سابقا على الإبلاغ عنها، خوفا من ردود الجهات الأمنية المشرفة على تلك المرافق.
وعن النمط المقلق الذي ظهر لدى اللجنة، حيث قال إن ما يقارب 95% إلى 99% من هذه الانتهاكات جرت تحت مسمى “مكافحة الإرهاب”. ورغم أن بعض القضايا قد تكون مرتبطة فعلا بعناصر متهمة بأعمال إرهابية، فإن المشكلة تمثلت في طغيان الانتهاكات على أقارب هؤلاء الأشخاص أو معارفهم، حيث تعرض بعضهم للاعتقال لفترات طويلة دون أي تهمة أو إجراءات قانونية واضحة.
وحول طبيعة تلك الانتهاكات التي تم رصدها وتوثيقها، أوضح المشدلي أنه وخلال أعمال الرصد الميداني، وثقت اللجنة شهادات تتعلق بانتهاكات جسيمة وقعت داخل بعض السجون، خصوصا في حضرموت، من بينها مرافق احتجاز في ميناء الضبة وداخل معسكر الربوة، حيث أفاد عدد من المعتقلين الذين استمعت إليهم اللجنة بتعرضهم لأشكال متعددة من التعذيب الجسدي والنفسي. وبعض الضحايا لا تزال آثار التعذيب ظاهرة عليهم حتى بعد الإفراج عنهم، كما روى آخرون تفاصيل نقلهم إلى أماكن احتجاز وتعذيب، وشرحوا الأساليب التي كانت تستخدم ضدهم.
وتضمنت تلك الشهادات الحديث عن عصب الأعين أو تغطية الرؤوس بأكياس سوداء، والترهيب بالكلاب، والاحتجاز في زنازين شديدة الضيق، إضافة إلى التعذيب بالصعق الكهربائي والضرب المبرح والتعليق، مشيرا إلى أن من بين الحالات التي وثقتها اللجنة، اعتداءات جنسية وحالات وفاة تحت التعذيب، ومعتقل قال إنه أوقف على خلفية رفع العلم اليمني، واتهم قوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي باعتقاله.
ولفت إلى أن اللجنة لم تكتف بسماع شهادات فقط حول الاعتداءات الجنسية، مؤكدا أنها استمعت بشكل مباشر إلى بعض الضحايا الذين تعرضوا لهذه الانتهاكات، مضيف: "صحيح أن عدد الحالات التي تحدث أصحابها بشكل مباشر ليس كبيرا بالقدر الذي يسمح بالقول إنها تمثل نمطا واسع الانتشار، إلا أن تكرارها يثير قلقا كبيرا، ويشير إلى احتمال وجود ممارسات انتقائية أو سلوكيات ممنهجة لدى بعض القائمين على أماكن الاحتجاز".
وتابع: "كثير من الضحايا قد لا يصرحون بمثل هذه الانتهاكات بسبب طبيعة المجتمع اليمني المحافظ، وما قد يترتب على ذلك من وصمة اجتماعية. لذلك، فمن المحتمل أن تكون هناك حالات أخرى لم يتم الكشف عنها. بالنسبة لنا في اللجنة، كان الاستماع إلى إحدى هذه الحالات بشكل مباشر صدمة إنسانية ونفسية كبيرة، لما تحمله هذه الجرائم من قسوة وتأثير عميق".
وعن طبيعة السجون وأماكن الاحتجاز التي زارتها اللجنة، أكد أنها زارت عدد من السجون الرسمية، مثل السجون المركزية وأماكن التوقيف أو مراكز الحجز الاحتياطي. بالإضافة لزيارة مواقع احتجاز غير رسمية في أكثر من موقع، سواء في حضرموت أو سقطرى.
ونوه إلى أن بعض السجون غير الرسمية قد تم هدمها أو طمرها في محافظة حضرموت، مثل سجن الريان وسجن الربوة. مشيرا إلى أن بعضها لا تزال قائمة، ومنها سجن الضبة، وسجن “أبو علي” الحضرمي في منطقة الدفاع الجوي بمرتفعات حضرموت، حيث قامت اللجنة بزيارة تلك المواقع والسجون وتوثيق أوضاعها بالصور.
وعن محافظة سقطرى، قال المشدلي: "زرنا موقع احتجاز في سقطرى لا يزال قائما. وخلال زيارتنا، حاولت قوات تابعة لـ”الحزام الأمني” و”الحماية الرئاسية” احتجاز بعض الأشخاص الذين كانوا يدلون بشهاداتهم للجنة. رفضنا تسليمهم، وأبلغنا تلك الجهات أننا لن نقبل باعتقالهم، بل سنعتبر أنفسنا معتقلين معهم. تم توقيفنا مؤقتا لمدة ثلاث ساعات تقريبا، كما حاولت القوات مصادرة هواتفنا قبل أن تعيدها لاحقا. بعد ذلك، حضر قائد القوات الأمنية ووكيل المحافظة وقدموا اعتذارا".
وأوضح أن بعض الزنازين ضيقة للغاية، لا تتجاوز مساحة بعضها نصف متر في متر تقريبا، ويحتجز فيها عدة أشخاص في أجواء حارة، وهو ما يعد من صور المعاملة اللاإنسانية.
وعن الأرقام المتعلقة بعدد حالات الإخفاء القسري التي تم توثيقها في عدن وبقية المحافظات، أوضح القاضي المشدلي أن عدد حالات الإخفاء القسري في محافظة عدن وحدها بلغ نحو 63 حالة، في حين سجلت المئات في محافظات أخرى، بما فيها تلك الواقعة تحت سيطرة جماعة الحوثي، مضيفا: ووفقا للتوثيق، بلغ إجمالي عدد المُخفَين قسرا في جميع المحافظات، خلال الفترة من يناير 2016 حتى مارس 2026، نحو 874 شخصا.
هل تم الكشف عن مصير أي من هؤلاء؟ وما العقبات التي تواجهونها في هذا الملف؟
وجدد التأكيد أن "ملف الإخفاء القسري يعد من أكثر الملفات إيلاما وتعقيدا، وأنه ملف مؤلم للضحايا ولأسرهم وللمجتمع بأكمله. فالإخفاء القسري لا يخلف معاناة إنسانية فقط، بل يخلق إشكالات قانونية واجتماعية كبيرة؛ فهناك عائلات لا تعرف مصير أبنائها منذ سنوات، ولا تستطيع التصرف في الميراث أو المعاشات، بل إن بعض الزوجات لا يعرفن هل أزواجهن أحياء أم أموات" حد قوله.
وأشار إلى أن اللجنة "ومنذ وقت مبكر، بدأت التحقيق في هذا الملف. طرحنا الموضوع على مسؤولين أمنيين في عدن، من بينهم القيادات المسؤولة عن ملف مكافحة الإرهاب، وقمنا بزيارات تفتيش لبعض المواقع، لكننا لم نعثر على الأشخاص الذين كنا نبحث عنهم. وفي بعض الحالات، تبين أن بعض المحتجزين نقلوا لاحقا إلى سجن بئر أحمد.
وأردف: "تشير بعض التحقيقات إلى احتمال أن يكون بعض المُخفَين قد تعرضوا للتصفية، لكننا نعمل بحذر شديد، ولدينا خطة للتحقيق بشكل أوسع بعد عطلة عيد الفطر، مع ضرورة توفر إرادة سياسية وتعاون مؤسسي من وزارة الداخلية والنيابة العامة ورئاسة الدولة. ما زالت هناك حالات عديدة من الإخفاء القسري تعود إلى ثماني أو عشر سنوات، وأسر الضحايا لا تزال تبحث عن أي معلومات. تواصل معنا مؤخرا أشخاص أفادوا بأن أقاربهم قيل لهم إنهم نقلوا إلى السجن المركزي، لكن بعد التحقق لم نجد أسماءهم ضمن السجلات".
وعن حجم الانتهاكات في المحافظات الجنوبية (الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية) وتلك الواقعة في مناطق سيطرة جماعة الحوثي في الشمال، حيث قال: "من الأدق أن تكون المقارنة بين الانتهاكات في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وتلك الواقعة في مناطق سيطرة الحوثيين. بحسب ما رصدته اللجنة، فإن حجم الانتهاكات في مناطق سيطرة الحوثيين أكبر بكثير من حيث العدد والتنوع، وتمتد إلى معظم المحافظات الواقعة تحت سيطرتهم".
وأضاف: "في المقابل، توجد انتهاكات في المحافظات الجنوبية، لكنها تختلف في طبيعتها. فمعظم الحالات التي وثقناها كانت تحت غطاء “مكافحة الإرهاب”، وغالبا دون إجراءات قانونية سليمة أو استنادا إلى معلومات غير دقيقة. في بعض الحالات، طالت هذه الانتهاكات أشخاصا أبرياء أو أقارب لمشتبه فيهم، بل إن بعضها قد يكون مرتبطا بدوافع شخصية أو تصفية حسابات، وهو ما يثير قلقا بشأن آليات إنفاذ القانون".
وبين القاضي المشدلي أن اللجنة وثقت عددا كبيرا من جرائم القتل خارج إطار القانون. مشيرا لتقارير اللجنة، التي بلغ عددها ثلاثة عشر تقريرا، مؤكدا أن هذه الجرائم حاضرة بشكل واضح، حيث قامت اللجنة بإحالة عدد من الملفات إلى القضاء، من بينها قضايا بارزة مثل قضية “عشال” في عدن، وقضايا تتعلق باستهداف خطباء المساجد، وقضايا أخرى في الضالع.
وتطرق إلى تعدد التشكيلات المسلحة ومراكز النفوذ التي تمثل أحد أبرز التحديات التي تعيق عمل اللجنة، حيث أوضح أنه كلما ضعفت مؤسسات الدولة وتراجع حضورها، تزداد احتمالات وقوع الانتهاكات وتتراجع فرص المساءلة، ومع "غياب قيادة أمنية موحدة أو جهة مسؤولة يمكن الرجوع إليها يجعل عملية التحقيق أكثر تعقيدا".
وقال: في بعض المناطق، لا تعترف الجهات المسيطرة بعمل المنظمات الحقوقية، بما فيها الدولية، مما يزيد صعوبة الوصول إلى الضحايا أو أماكن الاحتجاز. نحن نحاول القيام بمهامنا في مختلف المحافظات قدر الإمكان، لكن في ظل هذا الواقع المعقد، يصبح تحقيق المساءلة الكاملة وضمان عدم الإفلات من العقاب أمرا بالغ الصعوبة".
القاضي المشدلي أشار للصعوبات التي تواجه اللجنة، مؤكدا وجود توجيهات رسمية من قيادة الدولة، بما فيها رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، بضرورة التعاون مع اللجنة الأمر الذي سهل من مهامها، بالإضافة إلى الدعم الدولي الذي حظيت به اللجنة، من خلال قرارات مجلس حقوق الإنسان والتوصيات الصادرة عن مجلس الأمن، يسهم في تعزيز تعاون هذه الجهات، رغم استمرار بعض العراقيل.
وأقر المشدلي، بوجود تغير ملموس على الأرض، خصوصا في حضرموت، حيث تم هدم وإغلاق بعض السجون ومراكز الاحتجاز بالفعل. ومع ذلك، لا تزال بعض المواقع قائمة، وهناك قلق من احتمال إعادة استخدامها، مضيفا: "فيما يخص السجون غير الرسمية، كان هناك تنسيق مباشر مع أعضاء مجلس القيادة في حضرموت ومأرب لضمان تنفيذ توصيات اللجنة، إلا أن استمرار نجاح هذه الإجراءات يعتمد على توفر الإرادة السياسية، ومتابعة محاكمة المسؤولين المتورطين لضمان عدم عودة الانتهاكات".
وحول طبيعة الانتقال من التوثيق إلى المحاسبة أكد أن ذلك ممكن قانونيا "من خلال إحالة الملفات إلى مكتب النائب العام للبدء في المحاكمات"، مشيرا للبدء فعليا ببعض المحاكمات في مأرب، ووجود ملفات عديدة جاهزة للتحريك القضائي، لافتا إلى أنه ومنذ عام 2017، قدمت اللجنة مقترحا لإنشاء محكمة متخصصة للنظر في انتهاكات حقوق الإنسان، وحظي بدراسة وموافقة مبدئية من مجلس القضاء، كما لقي دعما من المجتمع الدولي.
وأكد نائب رئيس اللجن، أن عملية المحاسبة الفعلية تتوقف "على القرار السياسي والإرادة التنفيذية للبدء في محاكمة المسؤولين عن الانتهاكات، مع التأكيد على أن حقوق الضحايا لا تسقط بالتقادم".
ورأي المشدلي، أن أن الظروف الحالية ليست مهيأة لإطلاق مسار عدالة انتقالية في اليمن، حيث قال بأنها "ممكنة نظريا، لكنها تواجه تحديات كبيرة على المستويين القانوني والسياسي. أول شرط هو إصدار قانون للعدالة الانتقالية، وهو ما لم يحدث بعد بسبب غياب مجلس نواب منتخب".
وعن الضمانات التي يمكن أن تمنع الإفلات من العقاب في ظل الانقسام السياسي القائم في اليمن، أكد أن أعمال التوثيق والرصد والتحقيق هي الضمانة الأولى لمنع الإفلات من العقاب، إذ تحفظ حقوق الضحايا في قاعدة بيانات وملفات قانونية، وتُسلِّم نسخا منها إلى القضاء، مما يضمن متابعة المسؤولين عن الانتهاكات لاحقا، منوها إلى أن القانون الدولي يشير إلى أن انتهاكات حقوق الإنسان لا تسقط بالتقادم، مما يعني أن المسؤولين عن أي جريمة سيظلون قابلين للمتابعة أمام القضاء المحلي والدولي حتى تتم محاكمتهم.