قراءة في التوتر الأمريكي الإيراني وانعكاساته على اليمن
الخميس, 26 فبراير, 2026 - 01:30 صباحاً

على عجل تسير العلاقات الأمريكية الإيرانية المتوترة بالتوازي بين الخطين الدبلوماسي والعسكري، وبينما تترقب اليمن والدول العربية المتأثرة بوطأة نفوذ طهران انتزاع ما يعنيها من النتائج المشروطة بطبيعة الحال بالتحرك المحلي لاستحقاقات ما بعد الصراع.
 
كثير من التحليلات رجحت تفوق خيار الحرب على الدبلوماسية، ويبدو أنها الأقرب فعلا بالنظر إلى بعض المؤشرات.
 
استغلت الولايات المتحدة وإسرائيل الطبيعة الدينية الطائفية لنظام طهران وأيديولوجيته في تصدير الثورة لأداء وظائف تخدم أجندات الحرب الباردة، إلى جانب أن نظام الشاه مقابل قوة المؤسسة الدينية الإيرانية ـ وعوامل أخرى ـ كان قد استنفد اغراضه بالنسبة للغرب، وحتى لا تسقط إيران بيد الأحزاب الشيوعية القوية كما سقطت جارتها أفغانستان وما يضيفه للسوفيت وقتها من ميزة جيوسياسية بالإطلالة المباشرة على المياه الدافئة في الخليج العربي الممثل الأهم أيضا لمنابع وإمدادات الطاقة في العالم، فدعم الغرب الثورة الإيرانية وأفسح الطريق لبروز التيار الخميني ضمن مجموعات دينية أخرى خارج ايران لاستخدامها كأدوات أيديولوجية قوية في مواجهة الأيديولوجية الشيوعية.
 
ما جرى على الشاه حينها يظهر أنه يجري حاليا على النظام الخميني حيث أدى وظيفته أثناء الحرب الباردة، وأتقن إسهامه المهم في تفكيك وإضعاف المحيط العربي بإسرائيل، إضافة إلى محاولته تجاوز السقوف المسموح بها، بموازاة مساعي صقور الدولة الأمريكية لكبح تنامي قوة التنين الصيني وبنائه نقاطا إقليمية لنفوذه العالمي المتصاعد، وهذا ما يفسر الضربة الأمريكية للصين في فنزويلا، ويشكل معطى تحليليا جادا في فهم مآلات التوتر الحاصل مع إيران لمنع تموضعها كنقطة ارتكاز إقليمية صينية، الأمر الذي أدركه المفاوض الإيراني بطرحه طيفا واسعا من المغريات الاقتصادية لإدارة ترمب من أجل طمأنة الأخير من ناحية بكين، ولوضع المال الإيراني مقابل المال اليهودي تحييداً لتأثيره على طاولة أرباب القرار الأمريكي.
 
يظل نجاح السيناريو الدبلوماسي محتملاً لكن احتماليته ضعيفة إذا أخذنا بالاعتبار الحالة الاستراتيجية للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية كدولتين، ولمدى تشابك الصلات اليهودية بمصالح الدولة العميقة في أمريكا.
 
تتراوح السيناريوهات الدبلوماسية المتداولة بين اتفاقات جزئية وشاملة، أحدها اتفاق نووي لا يصفر تخصيب اليورانيوم ومن المتوقع أن ترافقه حزمة مغريات اقتصادية إيرانية للأمريكان قد تقارب التريليوني دولار، وهذا يعني رفع شبه كامل للعقوبات، العرض قد يبدو مثيرا لسيلان لعاب إدارة ترمب التي وضعت "إعادة أمريكا عظيمة" على رأس أولوياتها إلا أنه يصطدم بالصورة النمطية للنفس التفاوضي الطويل لطهران الذي في الغالب سيتجاوز فترة ولاية ترمب ويحرمه من الاستثمار السياسي لصفقة سريعة، غير إمكانات تحقق الأرقام في وقائع اقتصادية فعلية تماما مثلما حدث من الاتفاقات الأمريكية مع السعودية في الولاية السابقة لترمب، وفوق ذلك نظام طهران متآكل داخليا والتعامل مع نظام بديل سيكون أفضل استراتيجيا وسيتماشى مع التأثير اليهودي في الداخل الأمريكي ومع إسرائيل الحليف الأول لواشنطن في المنطقة المرجح عدم قبوله بتجزئة ملف التفاوض وإبقاء مثلث النووي والصواريخ والوكلاء مصفوفة واحدة على طاولة المفاوضات، ويسند الموقف الإسرائيلي في هذا الشأن أن الصواريخ والوكلاء استطاعوا خرق السياج الدولي في البحر الأحمر وما يشكله انضمام مضيق هرمز إليه كورقة إيرانية ثانية تجعل التهديد كارثيا على التجارة والمصالح العالمية، وليس فقط على الأقليم.
 
السيناريو الآنف ينسحب في تداعياته على بقية السيناريوهات الدبلوماسية الأخرى كوضع الملفات على مراحل تفاوضية، كما أن إقفال الملفات الأساسية الثلاثة سيعني للنظام الإيراني الاستسلام والانتحار المجاني.
 
على الضفة العسكرية فإن الضربة المحدودة أو المسرحية لرفع مستوى التنازلات الإيرانية وحفظ ماء وجه الطرفين سيخضع لتساؤلات وتحليلات قد تضعف ترمب في انتخابات التجديد النصفية القادمة للكونغرس.
 
تذهب التقديرات إلى حدوث ضربة أمريكية واسعة وقد تستمر لأسابيع، لكن هل ستتمكن من إسقاط النظام؟
 
في العادة الضربات الجوية وحدها لا تكفي إذ فشلت - كمثال - في إسقاط نظام البعث في العراق سنة 1991 رغم كثافتها وتمرد معظم المحافظات العراقية على السلطة في ظل حظر جوي على أكثر من نصف مساحة العراق.
 
قد يساعد التذمر الشعبي، واستهداف قيادات، وعمليات استخباراتية تتضمن تحفيز انشقاقات في القضاء على النظام بيد أنه يبقى احتمالاً غير مؤكد، أما المؤكد هو أن النظام إذا لم يتحلل ويدخل في مرحلة موت سريري فسيضعف كثيرا وسيحتاج سنوات للتعافي لاسيما لجهة إسناده لوكلائه.
 
السيناريوهات الدبلوماسية وبخاصة إبرام اتفاق نووي فقط لن تساعد على تعديل موازين القوة العسكرية في اليمن، وستبقى الحكومة الشرعية بين موقف اقليمي ـ سعودي تحديدا ـ يميل إلى الاحتواء السياسي للحوثيين، وبين موقف غربي أمريكي يفضل تصفية القوة العسكرية الحوثية، وفي كل أحوال هذا المشهد من الإيجابي استمرار الشرعية في توحيد قرارها السياسي والعسكري واستغلال تغير المقاربة الغربية لجماعة الحوثي في دفع الملف اليمني نحو الحسم العسكري أو بتسوية وفق مرجعية القرارات الدولية، وفي الحالتين أثناء ولاية ترمب.
 
على العكس من ذلك سيوفر السيناريو العسكري ضد ايران فرصة ذهبية للشرعية في انهاء المشكلة عسكريا، حيث أن الحوثيين وبقية وكلاء إيران في المنطقة من المرجح أن يشاركوا في المواجهة العسكرية الإيرانية لأن نظام طهران يدرك أنها ستكون اللعبة الأخيرة الموجبة استخدام كل أوراقه دفعة واحدة.
 
إذا سقط النظام الإيراني أو تم إضعافه عسكريا بشدة حتى السعودية من المرجح تعديل موقفها باتجاه الحل العسكري.
 
بمشاركة الجماعة الحوثية في الحرب الأمريكية الإيرانية أو بدون مشاركتها تلوح ظروف موضوعية كفرصة غير قابلة للتعويض إلا أنها تتطلب ظروفا ذاتية متعلقة بالشرعية من بينها التحرك السريع.
*من صفحة الكاتب على فيسبوك

التعليقات