كتاب "شبه حرب: تسليح وسائل التواصل الاجتماعي" للمؤلفين "بي. دبليو. سينجر" و"إيمرسون تي. بروكينغ" (ترجمة: هدى يحيى)؛ مرجع مهم لمحاولة فهم الدور البارز لمواقع التواصل الاجتماعي في معارك اليوم، وواقعنا الجديد بوتيرته المتسارعة. يرى الكاتبان أن وسائل التواصل الاجتماعي تحولت إلى سلاح فعلي في الصراعات الحديثة، لا يقل تأثيره عن السلاح العسكري؛ حيث تُستخدم المنصات الرقمية للتأثير في العقول، وتوجيه الرأي العام، وزعزعزة الدول، وإشعال النزاعات. الكتاب مدعوم بوقائع كالحرب على العراق، وحروب "داعش"، وقتال بن لادن، وثورات الربيع العربي، والانتخابات الأمريكية، والحروب الأهلية، وغيرها من الحروب والصراعات التي استُخدمت فيها وسائل التواصل الاجتماعي لإيصال السرديات وحرب المعلومات إلى الرأي العام، وكيف ساهمت هذه المنصات في تغيير مسار الأحداث. يستند الكتاب إلى محاور متعددة، منها أن الحرب اليوم لم تعد عسكرية فقط، أو تُخاض بالدبابات والطائرات وحدها، بل بالتغريدات، والفيديوهات القصيرة، والإشاعات الممنهجة، وحملات التضليل المنظم. كما أن من يشن "الحرب الرقمية" لم تعد دولاً فقط، بل جماعات مسلحة، وحركات سياسية، وشركات، وأفراداً عاديين، وجيوشاً إلكترونية وهمية. وإن سلاح هذه المنصات يتمثل في الترند الذي أصبح أداة ضغط، والخوارزميات التي تضخم الغضب والكراهية، والمحتوى العاطفي الذي ينتشر أسرع من الحقيقة، ناهيك عن الأكاذيب المصممة جيداً والتي صارت تتفوق على الحقائق الجافة. وبناءً على هذه الأسلحة الجديدة في المنصات الرقمية، يرى الكتاب أن الخطر الأكبر لا يكمن في التضليل فحسب، بل في تآكل الثقة، وتشويه الحقيقة، وتحويل المجتمع إلى معسكرات متصارعة مع صعوبة التمييز بين الحقيقة والدعاية. وهنا نستطيع الاستشفاف بأن الكتاب يأتي برسالة مفادها أننا جميعاً نعيش داخل ساحة حرب معلوماتية، حتى لو لم نكن جنوداً فيها، وأن كل مشاركة، أو إعجاب، أو إعادة نشر قد تكون مشاركة غير واعية في صراع ما. ميزة الاطلاع على الكتاب أنك تطّلع عبره على التجارب الواقعية التي تضج من حولنا. وبعبارة أوضح؛ إن الاطلاع على الكتاب في الوقت الذي نرى فيه كيف تحول الفيسبوك وتويتر وتيك توك من منصات تواصل إلى أدوات ضغط وتوجيه سياسي، سلاحها هو الانتباه لا الرصاص؛ فمن يسيطر على السردية يربح الجولة. وكما نلاحظ، فإن الصراع على "الترند" يسبق أحياناً الصراع على الأرض. إنه واقع جديد في تاريخ الصراعات والحروب، فالجيوش الإلكترونية تخوض حرباً بلا زي عسكري، وصار من المهم التركيز على من يدير الحسابات الوهمية؟ ولمصلحة من؟ وفي حرب الخوارزميات والحسابات المنسقة، يتم تضخيم قضايا هامشية لإخفاء قضايا جوهرية، وصناعة إجماع زائف يوهم الناس بأن "الجميع يقول ذلك". وهنا تبرز صورة مهمة تكشف بأن التضليل لا يقوم على الكذب فقط، وإن الدعاية الخطيرة ليست الكاذبة، بل المنتقاة بذكاء، وكثيراً ما رأينا -وخاصة من المتخصصين والفاحصين للمعلومات والمتحققين منها- العديد من الحقائق الناقصة، والصور الموظفة خارج سياقها، وقصصاً فردية تُقدَّم كحقيقة عامة. يرى الكتاب أن استغلال العاطفة هو هدف لمشعلي الحروب الرقمية، وأن تقديم سردية عاطفية تضمن انتشاراً أعلى، وفي هذه الحالة تكون الحقيقة هي الضحية الأولى لأنها تُستنزف في هذه الحروب، وتُخلق إرهاقاً معلوماتياً للمتلقي يخلص إلى فقدان الثقة بالإعلام في بعض الحالات. وأنا أقرأ الكتاب، تبادر إلى ذهني سؤال: هل ما زال الصحفي صانعاً للأجندة أم تابعاً لها؟ وفي تجربتنا في اليمن، وفي تقديري الشخصي، تبرز الإجابة الصادمة؛ بأن الصحافة بشكل عام، والصحفيين كمشتغلين فيها، صاروا تابعين بنسبة كبيرة بسبب رضوخهم لضغط السبق والانتشار والانجرار وراء "ما يريده الجمهور"، حتى إن البعض صار ناقلاً غير واعٍ للدعاية في الوقت الذي نحن فيه بحاجة إلى صحافة تتباطأ لا صحافة ترند. في الوقت ذاته، وجدت في طيات الكتاب ما يمكن الاستفادة منه للصحفيين للمساعدة على فهم كيف تُصنع الحملات الإعلامية الموجهة، وتقيهم من خلال المعرفة من الانجرار وراء السرديات الجاهزة، وبما يضعنا في موقع أكثر يقظة أمام التلاعب بالمعلومات. خلاصة الأمر أن ما يجب على مرتاد وسائل التواصل الاجتماعي اليوم إدراكه حقاً هو أن كل مستخدم مشارك في الحرب، بوعي أو بدون وعي سواء من خلال الإعجاب، أو إعادة النشر، أو التعليق، فهذه الأفعال البسيطة تأثيرها السياسي كبير. هنا تظهر أمامنا حالة جديدة؛ وهي أن المواطن في وسائل التواصل الاجتماعي صار فاعلاً، لكنه غير مدرَّب في حرب جديدة غير معلنة، بل تُمرر في خوارزميات لم يعد السؤال إزائها: من يطلق النار؟ بل: من يكتب الرواية؟. *من صفحة الكاتب على فيسبوك