[ ولي العهد السعودي خلال فعالية رسمية - وكالات - أرشيف ]
كشفت دراسة بحثية موسعة نشرها "المركز العربي واشنطن دي سي" عن تحول جذري ومحوري في استراتيجية المملكة العربية السعودية تجاه ملفات الشرق الأوسط، مؤكدة أن الرياض باتت تتبنى سياسة خارجية تقوم على "الواقعية السياسية" والموازنة الدقيقة بين التنافس الاقتصادي وضرورات الاستقرار الإقليمي.
وأوضحت البحثية التي ترجم أبرز مضامينها للعربية الموقع بوست أن المحرك الأساسي لهذا التحول هو الرغبة في توفير "بيئة إقليمية صفرية المشاكل" لضمان نجاح مشاريع "رؤية 2030"، مما دفع المملكة للانتقال من سياسة المواجهة المباشرة إلى نهج خفض التصعيد وبناء الشراكات المتعددة الأطراف.
وأشار إلى أن الاتفاق السعودي-الإيراني برعاية صينية يمثل حجر الزاوية في هذه العقيدة الجديدة، حيث تسعى الرياض لتحييد التهديدات الأمنية المباشرة التي قد تعيق تدفق الاستثمارات الأجنبية.
وبينما تظل المنافسة مع طهران قائمة في أبعادها الأيديولوجية والجيوسياسية، إلا أن المملكة اختارت إدارتها عبر القنوات الدبلوماسية والاقتصادية بدلاً من الصدام العسكري، وهو ما انعكس أيضاً على الملف اليمني من خلال السعي الدؤوب للتوصل إلى تسوية سياسية دائمة تنهي عبء الحرب وتؤمن الحدود الجنوبية.
وفي سياق لافت، أبرزت الدراسة وجود نمط جديد من "التنافس البيني" داخل منظومة الحلفاء، لا سيما مع دولة الإمارات العربية المتحدة. وأكد التقرير أن هذا التنافس لم يعد سياسياً فحسب، بل تحول إلى "سباق سيادي" على الموانئ، والمقار الإقليمية للشركات، والنفوذ في منظمة "أوبك+".
ورغم استمرار التحالف الاستراتيجي، إلا أن الرياض وأبوظبي باتتا تتحركان وفق أجندات اقتصادية وطنية متضاربة أحياناً، مما يعيد رسم خارطة النفوذ في شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي، وفقا للدراسة.
وعلى الصعيد الدولي، لفتت الدراسة إلى أن السعودية لم تعد تحصر خياراتها في المظلة الأمنية الأمريكية التقليدية. وبدلاً من ذلك، تنتهج الرياض سياسة "التحوط الاستراتيجي" عبر تعميق الروابط مع الصين وروسيا والقوى الصاعدة.
تشير المجلة إلى أن هذا التوجه يهدف إلى منح المملكة هامشاً أوسع من المناورة في مواجهة الضغوط الغربية، ويجعل منها "لاعباً وسطياً" قادراً على التواصل مع كافة الأقطاب الدولية بما يخدم مصالحها القومية العليا، دون القطيعة مع واشنطن التي تظل شريكاً أمنياً أساسياً ولكن ليس وحيداً.
وتسعى السعودية في الوقت الراهن لترسيخ مكانتها كقوة اقتصادية عالمية ضمن مجموعة العشرين، وأثبتت أحداث السنوات الماضية أن "القوة الناعمة" والاقتصادية باتت السلاح الأقوى في يد الرياض.
ومع دخول عام 2026، يبدو أن المملكة قد نجحت في تحويل التحديات الإقليمية إلى فرص للاستثمار، مستبدلةً لغة السلاح بلغة "النمو المشترك"، مع الإبقاء على جاهزية أمنية عالية، وهو ما يضع المنطقة أمام واقع جديد تقوده "القومية الاقتصادية السعودية" التي تعيد تعريف التوازنات من البحر الأحمر إلى الخليج العربي.