[ سلطان عمان مع أمير قطر - أرشيف ]
كشف تقرير جديد لموقع أمواج ميديا عن تحول هيكلي في الخارطة الجيوسياسية لمنطقة الخليج، حيث أدى التوتر المتصاعد بين السعودية والإمارات إلى دفع كل من قطر وسلطنة عمان نحو تقارب استراتيجي متزايد مع الرياض.
ويأتي هذا التحول مدفوعاً بمخاوف مشتركة من السياسات الإماراتية الداعمة للجهات الفاعلة من غير الدول والتحالف الوثيق بين أبوظبي وإسرائيل، مما يهدد بتفكيك وحدة مجلس التعاون الخليجي.
وأشار التقرير الذي ترجمه الموقع بوست إلى أن الخلافات التي كانت تُدار خلف الأبواب المغلقة بين القوتين الأكبر في الخليج، برزت بشكل صارخ إلى العلن في ديسمبر 2025 ويناير 2026، لاسيما في ملفات اليمن والصومال والسودان.
ويضيف: "فبينما تسعى السعودية لتعزيز استقرار الحكومات المركزية، تُتهم الإمارات بدعم قوى تطعن في سيادة الدول ووحدة أراضيها، مما جعل الصراع بين "الرؤية السعودية" و"الطموح الإماراتي" سمة دائمة للمشهد الإقليمي".
ويشير التقرير إلى أنه رغم تمسك الدوحة ومسقط بدور "الوسيط المحايد"، لكن هناك "التقاء استراتيجي" بينهما وبين الرياض في قضايا جوهرية، وتتمثل هذه الرؤية المشتركة في معارضة تفتيت الدول ومواجهة الحركات الانفصالية أو الميليشيات، وتأمين طرق التجارة والمنشآت الاستراتيجية، والتحذير من اختراق النسيج الاجتماعي والسياسي لدول المنطقة.
ويسلط التحليل الضوء على "قلق عميق" في الدوحة ومسقط حيال تطور العلاقات الأمنية والاستخباراتية بين أبوظبي وتل أبيب.
ويوضح بأن تعامل عُمان وقطر مع تصاعد التوتر بين السعودية والإمارات، من المرجّح أن تستمرّ الدولتان في انتهاج سياسات خارجية مستقلة، مع الحرص على ترسيخ مكانتهما كجسر للحوار.
وتوقع مواصلة الدولتين التركيز على الوساطة وخفض التصعيد، سعياً لتخفيف حدّة التوترات داخل دول مجلس التعاون الخليجي بدلاً من الانخراط فيها.
وقال نبيل خوري رئيس البعثة السابق في السفارة الأمريكية باليمن للموقع إن السعودية انتصرت حتى الآن في معركة اليمن، مع أن الإمارات لم تفقد نفوذها بالكامل هناك، وستسعى لاغتنام اللحظة المناسبة لإحياء دورها، أما في أنحاء المنطقة، فستستمر المعارك بالوكالة كالمعتاد.
وأوضح خوري قائلاً: "ستشعر عُمان وقطر ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى بالصراع بين الزعيمين الإقليميين، وقد تضطر إلى الانحياز لأحدهما في بعض القضايا، لكن في نهاية المطاف، ستواصل قطر وعُمان القيام بما تجيدانه، وهو الوساطة في النزاعات ومحاولة البقاء على الحياد في الصراعات الداخلية في مجلس التعاون الخليجي وخارجه".
ويرى المسؤولون في عمان وقطر أن هذا التحالف يتجاوز الرمزية السياسية لاتفاقات أبراهام، ليصبح أداة قد تُسهل أنشطة سرية وتدخلات في شؤون دول الخليج الأخرى.
وأضاف: "لطالما انتاب صانعي السياسات في الدوحة ومسقط قلق بالغ إزاء تقارب الإمارات العربية المتحدة المتزايد مع إسرائيل، ولا تقتصر مخاوفهم على رمزية اتفاقيات أبراهام فحسب، بل تتجاوزها إلى ما هو أبعد".
ويشير إلى أنه من وجهة نظر مسقط والدوحة تثير الشراكة الإماراتية الإسرائيلية تساؤلات جدية حول الأمن الإقليمي وتآكل المعايير المرتبطة بالسيادة، وعلى وجه الخصوص، تخشى عُمان وقطر من أن يؤدي تنامي التعاون الاستخباراتي والأمني بين أبوظبي وتل أبيب إلى تسهيل أنشطة سرية في مناطق أخرى من الخليج، ما قد يُفضي إلى عواقب غير متوقعة وربما مزعزعة لاستقرار مجلس التعاون الخليجي ككل.
ويوضح التقرير أن الهجوم الإسرائيلي المفاجئ على قطر في سبتمبر الماضي بدا، ولو مؤقتاً، وكأنه عزز موقفاً موحداً لدول مجلس التعاون الخليجي ضد العدوان غير المقيد من جانب تل أبيب، إلا أن هذا التماسك قد تضاءل منذ ذلك الحين، معتبرا أن الإمارات العربية المتحدة، على وجه الخصوص، تنأى الآن عن هذا الموقف الخليجي الجماعي لصالح سياسة خارجية أكثر انحيازاً لإسرائيل، ومن شأن هذا التطور أن يزيد من عزلة أبوظبي داخل مجلس التعاون الخليجي.
وقال أندرياس كريج، الأستاذ المشارك في الدراسات الأمنية في كلية كينجز كوليدج لندن إن الأغلب في دول الخليج ينظرون إلى الإماراتيين على أنهم الطرف الشاذ، والسعودية على أنها الطرف الذي يقف في الجانب الصحيح من التاريخ".
واستبعد احتمالية قيام دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى بممارسة ضغوط دبلوماسية أو اقتصادية منسقة على أبوظبي، أشار إلى أن السياسة الخارجية الإماراتية تُعتبر على نطاق واسع "إشكالية"، وهو تصور يُرجّح أن يُترجم إلى حصول الرياض على "قبول طبيعي أكبر" من دول الخليج الأخرى.
وتزداد المخاوف من التوتر بين أبوظبي والرياض رغم نشأتها بشكل طبيعي، إلا أن الدور الذي قد تلعبه إسرائيل في تفاقم هذا الخلاف يستدعي اهتماماً دقيقاً، مع انحياز تل أبيب للإمارات، وهو ما يجعل عمان وقطر أقرب إلى السعودية، مشيرا إلى أنه من غير المرجح ظهور تحالف رسمي عُماني قطري سعودي يُعارض الإمارات علنًا، إلا أن السياسات الإماراتية مهيأة لدفع الدوحة ومسقط والرياض نحو تقارب متزايد، مع ما قد يترتب على ذلك من تداعيات هامة على النظام الجيوسياسي للخليج خلال السنوات القادمة.
ووصف خبراء أمنيون السياسات الإماراتية-الإسرائيلية بأنها "حصان طروادة" يهدد بتفتيت المجتمعات الخليجية من الداخل، خاصة في ظل التقارير التي تتحدث عن محاولات إسرائيلية لاستغلال الخلاف السعودي الإماراتي لتعميق الانقسام العربي.
وتُبدي سلطنة عمان حساسية خاصة تجاه هذه التطورات، مستندة إلى "ذاكرة مؤسسية" من صراعات سابقة (مثل نزاع ظفار) حيث استغلت قوى خارجية الثغرات المحلية.
ويحذر مراقبون من أن مسقط ترى في دعم الإمارات لقوى فرعية في اليمن والقرن الأفريقي تهديداً مباشراً لأمنها القومي وللتوازن الهش الذي حافظت عليه لعقود.
وخلص التقرير إلى أن الإمارات تبدو اليوم اللاعب المنفرد داخل مجلس التعاون، بينما يُنظر إلى السعودية على أنها "في الجانب الصحيح من التاريخ" بالنسبة لبقية الأعضاء.
ورغم استبعاد ممارسة ضغوط اقتصادية أو دبلوماسية منسقة ضد أبوظبي، إلا أن الانجراف الإماراتي بعيداً عن الإجماع الخليجي في قضايا السيادة والتعامل مع إسرائيل سيؤدي حتماً إلى تكتل غير رسمي يضم السعودية وقطر وعمان، مما قد يعيد رسم التوازنات الجيوسياسية في شبه الجزيرة العربية لسنوات قادمة.